سيارات الأجرة في مصر: انتهى عصر الحديد جاء عصر الورق
الخميس 28-08-2008 10:14 مساء
انتظار وصول سيارة أجرة «نصر 1300» من صنع سبعينات القرن الماضي أمر ليس بالعـــسير، لكن تحمّل تبعات هذا الاختيار يعتمد على قوة الراكب وصبره وجلده، كما يعتمد في شكل كبير على أولوياته الحياتية في ذلك اليوم. فهل يشكل العامل الزمني مكانة مهمة في تفكيره؟ وهل سيتحمل حرارة آب (أغسطس) الشديدة في ظل احتمالات شبه مؤكدة بأن نافذتي السيارة
الخلفيتين توقفتا عن العمل إلى الأبد؟ وهل لديه القدرة على مقايضة عذاب الحر وعوامل التعرية التي قضت على حشو المقاعد الإسفنجي، ولم تبق إلا على محتوياته الحديد في مقابل تخفيض أجرة الانتقال؟
السائق أحمد حسين (62 سنة) يقول إنه سائق أجرة بـ «الفطرة». وعلى رغم عدم وضوح العبارة، فإن أسلوبه في التعامل مع السيارة ومع أقرانه المتناحرين في طرقات القاهرة يوحي بأن عبارته الغامضة تتصل بالحقيقة إلى حد ما. السيارة التي يقودها تتمتع – على حد قوله – بعظام قوية قادرة على «دشدشة» أي من السيارات «الورقية» التي تركض في شوارع العاصمة (قاصداً السيارات الجديدة الكورية والصينية الصنع).
ويبدو إن الأصوات الصادرة عن السيارة «القوية العظام» أسفرت عن إصابة حسين بثقل واضح في السمع لا ينعكس فقط على عدم سماع معظم الجمل المنبعثة من المقعد الخلفي، لكنه يظهر جلياً في صوته العالي إلى درجة تجذب أنظار المحيطين من ركاب وقادة السيارات «البلاستيكية» من حوله. وبعد جهد جهيد يسمع السائق العتيد عبارتي «وزارة البيئة» و «إحلال وتبديل» سيارات الأجرة القديمة، فتخضع ملامح وجهه لعملية إحلال وتبديل فورية. ويحوّل دفة الحديث من «الأسباب الحقيقية التي أدت إلى احتراق مجلس الشـــورى» والتي «عرفها من زبون مهم ومتصل بالدوائر العليا ركب معه قبل أيام»، ليؤكد أن المشروع الذي أنجزته وزارتا المال والبيئة وأورد في قانون المرور المصري الجديد لوضع حد لظاهرة سيارات الأجرة المتهالكة ليس إلا «مؤامرة للنيل من أصحاب السيارات القديمة، والانتفاع بأجزائها لمصلحة الكبار، وتسويق مشاريع سيارات الأجرة الجديدة لمصلحة أشخاص بأعينهم». ولأن نظرية المؤامرة تسيطر تماماً على تفكير حسين، فإنه يرفض مجرد الاستماع إلى أي تفسيرات أخرى، سواء تلك المتعلقة بالشكل الحضاري لشوارع العاصمة والتي تتنافى وهذا الكم المذهل من السيارات القديمة، أو حتى قانون الطبيعة الذي يؤكد أن لكل شيء عمراً افتراضياً، وهو ما ينطبق كذلك على السيارات.
فكرة «تكهين» السيارات، التي تحدث عنها مساعد وزير الداخلية المصري اللواء شريف جمعة أمام مجلس الشعب قبل فترة، غير مستساغة بالنسبة إلى السائق التاريخي أحمد حسين، فالشيء يتم تكهينه – بحسب تأكيده - حين يفقد القدرة على الإنتاج والعمل، وهو ما لم يحدث في السيارة «نصر 1300» التي يقودها منذ عقود طويلة، شأنها في ذلك شأن آلاف غيرها من سيارات الأجرة العادية في القاهرة. أما حول أهداف مشروع الإحلال والتبديل والخاصة بالقضاء على التلوث البيئي، فيقول: «هأو! وماذا عن سيارات الشرطة والنقل العام والحكومة التي تبث دخاناً ينم عن حاجة ماسة إلى الوأد وليس التكهين؟ هل سيسحبونها ويجبرون سائقيها على سداد أقساط ضخمة نظير حصولهم الإجباري على مركبات جديدة ورقية؟ لا أظن!».
يشار إلى أن النص الخاص بترخيص سيارات الأجرة في القانون الجديد يشير إلى عدم جواز ترخيص السيارات التي مضى على صنعها عشر سنوات كأول ترخيص. كما لا يجوز تجديد ترخيص السيارات التي مضى على صنعها 20 عاماً.
وبحسب المشروع الجديد، يسلم صاحب السيارة سيارته القديمة، وتعد قيمتها بمثابة مقدم السيارة الجديدة على أن يتم تقسيط المبلغ المتبقي على ست سنوات من دون فوائد.
الفكر الذي يعتنقه أحمد حسين في ما يختص بـ «إحلال وتبديل» سيارات الأجرة ليس استثناء، بل يكاد يكون القاعدة. لكن هذا الرفض للمشروع يمكن أن يندرج تحت بند الرفض الشعبي لكل ما هو حكومي، والمقاومة الكلاسيكية لكل محاولات تغيير الوضع القائم. ولكنه يحتمل أيضاً أن يكون تفسيراً منطقياً من شخص ذي خبرة في شؤون القيادة والتعامل مع الأعطال، سواء تلك الناجمة عن حرارة الجو، أم تلف قطع الغيار، أم عوامل الزمن.
يقول حسين: «لدينا – والحمد لله – أقوى وأذكى سائق في العالم. فهو يقود سيارته متحدياً الطبيعة والبشر. أين هذا السائق الذي يقود ســـيارة وســـط مولد من السيارات لا يبعد منها ســـوى بضعة سنتيمترات؟ وأين هذا الســـائق الذي يمكن أن يعمل أكثر من 18 ساعة يومـــياً لتأمين رزقه ورزق أولاده؟ وأين هذا السائق الذي يعمل على سيارة منتهية الصلاحية في عرف الدول إللي فوق (يقصد المتقدمة)؟ إنه سائق التاكسي المصري!»
قال عبارته الأخيرة ونبرة صوته ملؤها الفخر والاعتزاز، لكنه فخر مهدد بالزوال بعد عامين هما طول فترة المهلة، واعتزاز قارب على الانتهاء مع قرب غزو السيارات «الورقية» شوارع العاصمة.